ثورة يوليو في الوثائق البريطانية
د . هدى جمال عبد الناصر

فيما يلي نص الورقة تعتبر الوثائق البريطانية مصدرا مهما وثريا للدراسات في تاريخ مصر وخاصة منذ الاحتلال البريطاني عام 1882، حيث تدخلت بريطانيا في جميع الشئون الداخلية المصرية، فحوت تلك الوثائق ادق تفاصيل مختلف اوجه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى الخاصة، في مصر، واستمر ذلك حتى توقيع اتفاقية الجلاء في 18 اكتوبر 1954، وتصفية القاعدة البريطانية في منطقة القناة، والقضاء على النفوذ البريطاني برمته بعد العدوان الثلاثي على مصر في 1956.
وعندما قامت الثورة في 23 يوليو 1952، كانت السيطرة البريطانية محكمة على البلاد، بالرغم من تركز القوات العسكرية البريطانية في منطقة القناة، ولذلك توافرت في دار الوثائق البريطانية كميات هائلة من الوثائق الخاصة بمصر في ذلك الوقت.
وقيمة هذه الوثائق في انها تتصف بالتنوع والشمول، فلم تقتصر على المراسلات بين السفارة البريطانية في القاهرة ووزارة الخارجية في لندن، وانما تحتوي ايضا تسجيلا للمناقشات حول مصر في مجلس الوزراء البريطاني والمذكرات التي عرضت عليه في هذا الشأن، وكذلك المذكرات الصادرة من رئيس الوزراء ووزير الخارجية ومساعديه ورؤساء الادارات المختلفة بالخارجية البريطانية، كما تشمل ايضا جميع التقارير الواردة من الوزارات الاخرى المتعلقة بصنع السياسة البريطانية تجاه مصر، وكذلك محاضر مناقشات مجلسي العموم واللوردات كما وردت في مضابطهما في نفس الموضوع.يضاف الى ما سبق ايضا المراسلات بين قادة القوات العسكرية البريطانية في مصر ووزارتي الحرب والخارجية البريطانيتين.
كما تضم الوثائق البريطانية كل ما يتصل بمصر في اي بلد في العالم وفي المنظمات الدولية، مثل الامم المتحدة وحلف شمال الاطلسي ومما يزيد في اهمية تلك الوثائق للباحثين أن بعضها كان يكتبه الخبراء البريطانيون الذين كانوا يعملون في مختلف وزارات الحكومة المصرية بمرتبات منها، وظلوا في مواقعهم حتى بعد عقد معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، التي تحول بمقتضاها المندوب السامي البريطاني الى سفير له اقدمية على باقي السفراء في مصر محتفظا بنفس نفوذه السابق، وظل رئيس البوليس المصري بريطاني يتلقى تعليمات مباشرة من لندن.
ولكن، من جانب اخر، ينبغي توخي الحذر في استخدام الوثائق البريطانية كمصدر للمعلومات التي تبني عليها الدراسات الاكاديمية، فهي تعكس بالدرجة الاولى رؤية محرريها وآرائهم، وبالتالي فأن المعلومات الواردة فيها لا يجب أن تؤخذ كشيء مسلم به، بل ينبغي على الباحث أن يعمل على تقييم هذه المعلومات وتأكيدها من مصادر اخرى حتى يصل الى الحقيقة. الا انه تجدر الاشارة الى أن قيمة الوثائق تزيد كمصدر للبحث اذا كانت متعلقة بالاهداف السياسية البريطانية بالنسبة لقضية معينة، وتقديرها للموقف الذي على اساسه يتم صنع القرار، فهي هنا تصبح مصدرا من الدرجة الاولى بالنسبة للباحث.
ولقد كانت بريطانيا طرفا في صراع مع مصر امتد منذ الاحتلال البريطاني في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، واشتد مع تصاعد الحركة الوطنية المصرية بعد الحرب العالمية الاولى، التي قادت الى ثورة 1919 وما نتج عنها من استقلال اسمي لمصر في عام 1922، ولكن ذلك لم يمنع من استمرار هذا الصراع حول تمكين الحكم الدستوري وتحقيق الجلاء. وبعد قيام ثورة يوليو 1952 اصبح هذا الصراع اشد ضراوة ووصل الى مؤامرة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ولقد جعل هذا الصراع المستمر بين مصر وبريطانيا الوثائق البريطانية ذات قيمة كبيرة للباحث، حيث يجد بها تفسيرا لكثير مما يتعلق بالطرف الثاني من الصراع، من حيث المعلومات التي لديه عن الموقف الذي يدور حوله الصراع وتحليله لها، والتحالفات والتحركات والوسائل التي يستخدمها لتحقيق اهدافه سواء كانت سياسية او اقتصادية او عسكرية او اعلامية ودعائية.
ولكن ينبغي الاشارة هنا الى أنه ليست كل الوثائق تفتح لاطلاع الباحثين بعد ثلاثين عاما، وانما هناك وثائق تعدم، واخرى تظل مغلقة الى الابد، وبعضها يفتح بعد اربعين عاما او خمسين عاما او خمسة وسبعين عاما، او مئة عام، كما حدث مثلا بالنسبة لوثائق عدوان يونيو 1967.
وفي معالجة هذه الورقة لثورة 23 يوليو 1952 في الوثائق البريطانية تقسم الى الاقسام الاتية:
اولا: مقدمات ثورة يوليو في الوثائق البريطانية.
ثانيا: الرؤية البريطانية لاحداث الثورة.
ثالثا: الصراع بين الثورة والاحتلال البريطاني.
رابعا: الثورة كمصدر تهديد للنفوذ البريطاني والمصالح الغربية.
***
اولا: مقدمات ثورة 23 يوليو في الوثائق البريطانية
تعتبر الوثائق البريطانية مصدرا غزيرا للمعلومات المتعلقة بمقدمات ثورة 23 يوليو، فقد فتحت كثيرا من هذه الوثائق لاطلاع الباحثين بعد ثلاثين عاما من تاريخها، كما فتحت كذلك باقي الوثائق التي كانت مغلقة لمدة خمسين عاما، ولم يتبق سوى ستة ملفات فقط مغلقة حتى عام 2011، الاول بعنوان مصر، والثاني عن العائلة المالكة والقصر، واربع ملفات بدون عناوين.
ونبدا اولا بتحديد ما الذي نقصده بمقدمات ثورة 23 يوليو؟
نستطيع أن نقول أن الشعور الثوري في الجيش بدأ في عام 1942 عندما اقتحمت الدبابات البريطانية قصر عابدين وحاصرته، وفرض السفير البريطاني «مايلز لامبسون» على الملك تولي حزب الوفد الحكم برئاسة مصطفى النحاس، وقد اعتبر ضباط الجيش هذا الحدث بمثابة اهانه للشرف العسكري والشعور القومي. وقد توالت بعد ذلك احداث وظروف يمكن اعتبارها المقدمات الاساسية لثورة 23 يوليو نقتصر في هذه الورقة على عرض ابرزها.
1- حرب فلسطين، وما ارتبط بها من قضية الاسلحة الفاسدة التي دفعت ضباط الجيش الى التصميم على العمل للقضاء على الفساد في القاهرة بعد رجوعهم من ميادين القتال. وتوضح الوثائق البريطانية وقائع قضية الاسلحة الفاسدة بالتفصيل من خلال عشرة ملفات كاملة، اربعة ملفات عام 1948، واربع ملفات عام 1949، وملف واحد لكل من عامي 1950 و 1951. وتلقي الوثائق البريطانية بمسئولية صفقات الاسلحة الفاسدة على مجموعة من كبار قيادات الجيش، ومن ابرزهم الفريق حيدر باشا، وزير الحربية، والادميرال احمد ندر، رئيس اركان القوات البحرية واحد افراد الاسرة المالكة. ويتضح من تلك الوثائق أن صفقات الاسلحة الفاسدة لم تتم اثناء حرب فلسطين فقط، بل امتدت حتى منتصف عام 1949. وترصد هذه الملفات مدى الشعور بالغضب الذي كان سائدا في صفوف الجيش بصفة عامة والمشاركين في حرب فلسطين بصفة خاصة، وذلك لشعورهم بأنهم طعنوا من الخلف اثناء حرب فلسطين.
وكذلك هناك وصف لحالة التذمر والغضب العارم بين ضباط الجيش في عام 1951، عندما قرر الملك فاروق اعادة الفريق حيدر باشا مرة اخرى ليكون رئيسا لاركان الجيش، بالرغم من تورطه في قضية الاسلحة الفاسدة. فساد الحياة السياسية وانقسام الاحزاب السياسية وتداول السلطة بينها في دائرة مفرغة، تقوم على التدخل غير المشروع من جانب البريطانيين في الحكم، والتلاعب غير الدستوري من جانب القصر في الحياة السياسية. وهنا ترصد الوثائق البريطانية واقع الحياة السياسية في مصر من خلال سلسلة من الملفات تحت اسم «الوضع السياسي في مصر» ويبلغ عدد هذه الملفات 35 ملفا في الفترة من 1949- 1952.
وتكشف هذه الملفات عدم الاستقرار السياسي الذي كانت تعاني منه مصر، حيث كانت رغبات السفير البريطاني واهواء الملك هي المحدد الاساسي الذي يتم على اساسه اختيار الوزارة التي تتولى مقاليد الحكم. كما تسجل هذه الوثائق تفاصيل كثيرة عن التغييرات الوزارية المتعاقبة التي كانت تحدث على فترات متقاربة جدا، فبعض الوزارات لم تمكث في الحكم سوى اسبوع واحد، واخر وزارة قبل الثورة استمرت يوما واحدا.
وتسجل الوثائق تدني شعبية جميع الاحزاب السياسية، بما فيها الوفد، نظرا لتورط قادة هذه الاحزاب في العديد من قضايا الفساد التي كشفتها الخلافات الشخصية بينهم والانقسامات الحزبية، مثل ما ذكره مكرم عبيد في «الكتاب الاسود» من تجاوزات القيادات الوفدية.
ويضاف الى ما سبق تفاصيل الممارسات السياسية التي تؤكد عدم وجود ديمقراطية داخل هذه الاحزاب، وتسابقها في ارضاء الملك والانجليز على حساب المصلحة العامة للشعب، مما ادى الى انفصال هذه الاحزاب عن قواعدها الشعبية. ومن ابرز الامثلة على ذلك ضعف المشاركة السياسية في انتخابات مجلس النواب عام 1950 وبصفة خاصة في المدن الكبرى، حيث لم يتعد المشاركون في التصويت نسبة 20% في مدينة القاهرة. اما ازدياد نسبة المشاركة في الريف، فترجع الى قيام كبار ملاك الارض الزراعية باجبار الفلاحين على الادلاء بأصواتهم. سيطرة الاقطاع ورأس المال على الحكم وتفشي البؤس وانخفاض مستوى المعيشة لعامة الشعب.
وتعتبر الوثائق البريطانية احد اهم المصادر لمعرفة الاوضاع الاقتصادية لمصر في فترة ما قبل الثورة، نظرا لتغلغل النفوذ الانجليزي في جميع نواحي الحياة في مصر. فلقد كان هناك رصد مستمر من قبل السفارة البريطانية عن الحالة الاقتصادية في مصر،تدون في تقارير شهرية وضعت في ملفات تحت اسم «الوضع الاقتصادي في مصر». وتكشف هذه التقارير عن مدى سيطرة الاجانب وكبار ملاك الارض الزراعية على الاقتصاد المصري وتمتعهم بثراء فاحش، في الوقت الذي كان يعاني فيه غالبية الشعب المصري من الفقر وتدني مستوى المعيشة. فشل جولات المفاوضات المصرية، البريطانية المتعددة من اجل تحقيق مطلب الجلاء، والانتقال في عام 1951 الى الكفاح المسلح ضد العسكريين البريطانيين في منطقة القناة الذي شارك فيه شباب الضباط المصريين. وتسجل الوثائق البريطانية بالتفصيل جولات المفاوضات المتعددة التي عقدت بين الحكومات المصرية المتعاقبة بريطانيا. ويزيد عدد الملفات التي تتناول هذه المفاوضات على 350 ملفا، وهي تغطي الفترة من 1946 الى 1951.
وتشير هذه الوثائق الى قيام الحكومة البريطانية بربط موافقتها على الجلاء عن مصر، بموافقة مصر على الدخول في علاقة تحالف دفاعي معها، يتيح لها ابقاء قوات عسكرية بريطانية في قاعدة قناة السويس بصورة دائمة، تحت ذريعة مواجهة الخطر السوفييتي. وتكشف الوثائق البريطانية النقاب عن وجود خطة بريطانية وضعها الكولونيل «جينينجز براملي» في عام 1951، تهدف الى فصل شبه جزيرة سيناء عن مصر ووضعها تحت الادارة الدولية، وتدويل قناة السويس. كما اتاحت الوثائق التي فتحت بعد خمسين عاما الاطلاع على التفاصيل الكاملة لخطة الانتشار العسكري للقوات البريطانية في منطقة قناة السويس، والمعروفة باسم rodeo، التي